صديق الحسيني القنوجي البخاري
314
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً هو القاصد للشيء مع العلم بالإحرام ، والمخطىء هو الذي يقصد شيئا فيصيب صيدا ، والناسي هو الذي يتعمد الصيد ولا يذكر إحرامه ، وقد استدل ابن عباس وأحمد في رواية عنه وداود باقتصاره سبحانه على العامد بأنه لا كفارة على غيره بل لا تجب إلا عليه وحده ، وبه قال سعيد بن جبير وطاوس وأبو ثور . وقيل : إنها تلزم الكفارة المخطىء والناسي كما تلزم المتعمد ، وجعلوا قيد التعمد خارجا مخرج الغالب ، وهو مروي عن عمر والحسن والنخعي والزهري ، وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم ، وروي عن ابن عباس ، وقيل : إنه يجب التكفير على العامد الناسي لإحرامه وبه قال مجاهد ، قال : فإن كان ذاكرا لإحرامه فقد حل ولا حج له لارتكابه محظور إحرامه فبطل عليه كما لو تكلم في الصلاة أو أحدث فيها . فَجَزاءٌ أي فعليه جزاء مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ بيان للجزاء المماثل قيل المراد المماثلة في القيمة وقيل في الخلقة ، وقد ذهب إلى الأول أبو حنيفة ، وذهب إلى الثاني مالك والشافعي وأحمد والجمهور من الصحابة ومن بعدهم وهو الحق . لأن البيان للماثل بالنعم يفيد ذلك وكذلك يفيده هديا بالغ الكعبة . وروي عن أبي حنيفة أنه يجوز إخراج القيمة ولو وجد المثل ، وأن المحرم مخيّر . وللسلف في تقدير الجزاء المماثل وتقدير القيمة أقوال مبسوطة في مواطنها ، وفي قراءة بإضافة جزاء ، قال الواحدي : ولا ينبغي إضافة الجزاء إلى المثل لأن عليه جزاء المقتول لا جزاء مثله ، فإنه لا جزاء عليه لما لم يقتله ، وقد أجاب الناس عنها بأجوبه سديدة ، ذكرها السمين . يَحْكُمُ بِهِ أي بالجزاء وبمثل ما قتل ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أي رجلان معروفان بالعدالة بين المسلمين لهما فطنة يميزان بها أشبه الأشياء به ، وقد حكم ابن عباس وعمر وعلي في النعامة ببدنة ، وابن عباس وأبو عبيدة في بقر الوحش وحماره ببقرة ، وابن عمر وابن عوف في الظبي بشاة وحكم بها ابن عباس وعمر وغيرهما في الحمام لأنها تشبهه في العب أي شرب الماء بلا مص . أقول : ههنا أمران أحدهما اعتبار المماثلة والثاني حكم العدلين ، والظاهر أن العدلين إذا حكما بغير المماثل لم يلزم حكمهما لأنه قال يحكم به أي بالمماثل ، وحق العدالة أن لا يقع من صاحبها الحكم بغير المماثل إلا لغلط أو طروء شبهة بأن المعتبر في المماثلة هو هذا الوصف دون هذا الوصف والواقع بخلافه . ثم الظاهر أن العدلين إذا حكما بحكم في السلف لا يكون ذلك الحكم لازما للخلف بل تحكيم العدلين ثابت عند كل حادثة تحدث في قتل الصيد . إذا تقرر لك هذا فاعلم أن جعل الظبي مشبها للشاة دون التيس مخالف للمشاهد